خاص – في مشهد يعكس التحولات المتسارعة داخل صناعة الإعلام الرقمي والترفيه الرياضي في السعودية، تحولت استقالة مؤسس «ثمانية» عبدالرحمن أبو مالح من مجرد تغيير إداري داخلي إلى قضية رأي عام عربي، تداخلت فيها اعتبارات الاستثمار والإعلام والهوية الثقافية والسجالات الجماهيرية على مواقع التواصل الاجتماعي.
القصة بدأت رسمياً عندما أعلنت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام«SRMG» رفع ملكية ذراعها الإعلاني «الشركة العربية للوسائل» في «ثمانية للنشر والتوزيع» من 51% إلى 75%. القرار لم يكن استثماراً عادياً، بل خطوة استراتيجية مرتبطة مباشرة بتحول «ثمانية» من شركة متخصصة في البودكاست وصناعة المحتوى الرقمي إلى لاعب رئيسي في سوق البث الرياضي والترفيهي في المنطقة، خصوصاً بعد حصولها على حقوق البث الحصرية للمنافسات الرياضية السعودية لمدة 6 مواسم.
هذا التطور وضع «ثمانية» في قلب مشروع إعلامي ضخم يتجاوز حدود البودكاست التقليدي، ويضعها أمام تحديات تشغيلية واستثمارية وإعلانية هائلة، خاصة مع النمو غير المسبوق للدوري السعودي خلال السنوات الأخيرة بعد استقطاب نجوم عالميين وتحوله إلى منتج إعلامي إقليمي ودولي عالي القيمة.
رحيل «العراب»: استقالة أبو مالح تشعل مواقع التواصل الإجتماعي
بعد فترة قصيرة من إعلان زيادة الاستحواذ، نشر الصحافي أحمد العجلان معلومات تفيد بتقدم عبدالرحمن أبو مالح باستقالته من منصبه كرئيس تنفيذي لـ «ثمانية»، مشيراً إلى وجود خلافات متصاعدة بينه وبين الرئيس التنفيذي لـ «SRMG» جمانة الراشد حول مستقبل الشركة واستراتيجيتها القادمة، وسط تمسك أبو مالح بالرؤية التي تأسست عليها «ثمانية» منذ انطلاقها.
لاحقاً، تسربت رسالة داخلية من أبو مالح إلى موظفي الشركة، حملت طابعاً عاطفياً واضحاً، وأعلن فيها أن المرحلة «انتهت»، مستعرضاً رحلة بناء «ثمانية» وتحويلها إلى واحدة من أبرز منصات البودكاست وصناعة المحتوى العربي، واصفاً قراره بالخروج بأنه «أصعب قرار اتخذه»، معبراً عن فخره بتحويل «ثمانية» إلى معيار للجودة في المحتوى العربي. الرسالة لم تكن صيغة استقالة تقليدية، بل أقرب إلى خطاب وداع مؤسس لمشروع يعتبره امتداداً شخصياً وفكرياً له.
وفي خضم الجدل، انتشر خبر غير مؤكد عن تعيين اللبناني فادي مروه، الرئيس التنفيذي الإبداعي ومدير عام «SRMG Labs»، خلفاً لأبو مالح. ورغم غياب أي إعلان رسمي، اندلعت حملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي استهدفت الشركة وفادي مروه بشكل شخصي، وتجاوزت حدود النقد المهني إلى هجمات مرتبطة بالجنسية والانتماء.
بعض المنتقدين استندوا إلى منشور ساخر زعم أن اسم «ثمانية» سيصبح «تمانية»، مستندين إلى صورة احتوت على خطأ مطبعي في الملف الشخصي للحسابات التابعة للمجموعة. غير أن هذا النوع من السخرية سرعان ما تحول لدى البعض إلى خطاب تحريضي ضد اللبنانيين بشكل عام، وانزلق النقاش إلى إساءة شخصية واستهداف جنسية كاملة.
لاحقاً، بادر الصحفي أحمد العجلان الى حذف الخبر والاعتذار عنه، ونشر توضيحاً أكد فيه أن المعلومات المتعلقة بترشيح فادي مروه غير صحيحة، مطالباً بعدم نقل الخبر باسمه. إلا أن هذا التراجع لم ينهِ الجدل، بل فتح باباً جديداً للتساؤلات: هل كانت المعلومات خاطئة فعلاً، أم أن الضغوط الجماهيرية والحملة التي تعرض لها الاسم المطروح دفعت إلى التراجع عن الفكرة أو تجميدها؟
استقالة عبدالرحمن أبو مالح: نهاية «فصل» وبداية «مرحلة»
بعد ذلك، خرج عبدالرحمن أبو مالح بنفسه لينفي بشكل مباشر وجود خلافات، مؤكداً أن ما يحدث «مرحلة وانتهت وتبدأ مرحلة جديدة»، ومشدداً على ثقته بمستقبل «ثمانية» وبدعم «SRMG»، مع بقائه شريكاً يملك 25% من الشركة واستمراره في دعم مرحلة الانتقال خلال الشهرين المقبلين.
يحمل تصريح عبدالرحمن أبو مالح دلالات عميقة تتجاوز إطار الاستقالة التقليدية، ويكشف بوضوح طبيعة التحول الذي تمر به «ثمانية» في هذه المرحلة المفصلية.
أول ما يلفت الانتباه أن أبو مالح تجنب بالكامل أي خطاب تصعيدي أو مواجهة علنية، بل حرص على التأكيد على استمرارية العلاقة الإيجابية مع المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام «SRMG»، ما يعزز فرضية أن ما حدث لم يكن نتيجة خلاف شخصي مباشر، بقدر ما هو اختلاف في الرؤية المرتبطة بالمرحلة المقبلة ومتطلباتها التشغيلية والاستثمارية.
كما أن احتفاظه بحصة تبلغ 25% من الشركة يحمل مؤشراً مهماً على استمرار قناعته بمستقبل «ثمانية»، وإيمانه بقدرتها على تحقيق نمو أكبر خلال السنوات المقبلة. وهو ما يعكس أن خروجه من المنصب التنفيذي لا يعني انسحاباً من المشروع، بل انتقالاً من دور المؤسس القائد إلى دور الشريك الاستراتيجي الداعم.
جمانة الراشد: قيادة نحو الريادة العالمية
في الواقع، فإن التحولات التي تشهدها «ثمانية» تفسر جانباً كبيراً من المشهد الحالي. فالشركة التي انطلقت كمشروع مستقل قائم على البودكاست وصناعة المحتوى الثقافي العميق، أصبحت اليوم جزءاً من منظومة إعلامية كبرى ترتبط بحقوق بث رياضية واستثمارات ضخمة وشراكات إعلانية إقليمية. وعادة ما تفرض هذه النقلة تحديات معقدة تتعلق بالتوازن بين الهوية الإبداعية ومتطلبات الإدارة المؤسسية والتوسع التجاري.
وفي هذا السياق، تبرز جمانة الراشد كواحدة من أبرز القيادات الإعلامية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فمنذ توليها قيادة «SRMG»، قادت المجموعة نحو مرحلة جديدة من التحول الرقمي والتوسع الإقليمي، عبر إعادة هيكلة عدد من القطاعات، وإطلاق شراكات دولية، وتعزيز الحضور في مجالات البودكاست والإنتاج المرئي والترفيه الرياضي والتقنيات الإعلامية الحديثة.
كما نجحت المجموعة تحت قيادتها في حصد جوائز دولية وإقليمية مرتبطة بالابتكار الإعلامي والتحول الرقمي، وعززت شراكاتها مع مؤسسات عالمية مثل «بلومبرغ» و«وارنر براذرز ديسكفري». تميزت مسيرة الراشد بالقدرة على الموازنة بين الحفاظ على إرث المجموعة العريق وبين الابتكار في منصات المحتوى الحديث، مما جعل «SRMG» اليوم في طليعة المجموعات الإعلامية في المنطقة.
«ثمانية».. من «صناعة الشغف» إلى «منظومة الاستثمار الرقمي»
من هذا المنطلق، تبدو التطورات داخل «ثمانية» أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجية منها إلى أزمة داخلية. فالمسألة، وفق المعطيات المتاحة، لا تتعلق بصدام شخصي بقدر ما تعكس انتقال الشركة من مرحلة تأسيس الهوية الإبداعية التي قادها أبو مالح بنجاح، إلى مرحلة التوسع المؤسسي واسع النطاق التي تقودها «SRMG» ضمن مشروع إعلامي يرتبط بالبث الرياضي والترفيه الرقمي والإعلانات.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن الصعود المتسارع للدوري السعودي، الذي أصبح أحد أهم المحركات الاستثمارية والإعلامية في المنطقة. فالحصول على حقوق البث الحصرية غيّر موقع «ثمانية» بالكامل، ونقلها من منصة محتوى رقمي ناجحة إلى لاعب رئيسي ضمن مشروع إعلامي ضخم يستهدف بناء قوة عربية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً في قطاع المحتوى الرياضي والترفيهي.
ومع استمرار الاستثمارات السعودية الكبرى في قطاعات الرياضة والإعلام والترفيه، تبدو «ثمانية» أمام فرصة تاريخية للتوسع والنمو. غير أن التحدي الأبرز لن يكون في التمويل أو الانتشار، بل في قدرتها على الحفاظ على الهوية التي صنعت نجاحها الجماهيري منذ البداية؛ وهي الهوية القائمة على العمق والجودة والطرح المختلف.
فالجمهور الذي ارتبط بـ «ثمانية» بوصفها تجربة إعلامية تحمل روحاً مستقلة ومحتوى قريباً من الناس، سيترقب بحذر كيفية موازنة الشركة بين التوسع التجاري والحفاظ على شخصيتها التحريرية والإبداعية.
أما عبدالرحمن أبو مالح، فمن المرجح أن يستمر كأحد أبرز الأسماء المؤثرة في صناعة المحتوى العربي، سواء من خلال دوره كشريك داخل «ثمانية» أو عبر مشاريع مستقبلية أخرى، خاصة بعد أن أثبتت تجربته أن المحتوى العربي قادر على تحقيق تأثير جماهيري وثقافي واسع عندما يُقدَّم وفق معايير احترافية عالية.
في المقابل، تبدو «SRMG» ماضية بوضوح نحو تحويل «ثمانية» إلى منصة إعلامية متكاملة تستفيد من الطفرة الرياضية والإعلانية الحالية، بالتزامن مع الرهان المتزايد على مستقبل الدوري السعودي باعتباره أحد أكبر المشاريع الإعلامية والترفيهية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.







اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.