تلفزيون لبنان



في الثامن والعشرين من أيار (مايو) الماضي، احتفل تلفزيون لبنان بعيده السابع والستين، مستحضراً معه حقبة زمنية ذهبية طبعت وجدان اللبنانيين والعرب. منذ انطلاقته عام 1959، لم يكن «تلفزيون لبنان» مجرد شاشة، بل كان المختبر الأول للإبداع التلفزيوني في العالم العربي، والمنبر الذي خرج منه كبار الإعلاميين والفنانين، ليرسخ قواعد الإنتاج الدرامي والبرامجي في المنطقة.


يوم الوفاء للذاكرة

إحياءً لهذه المناسبة، خصصت المحطة يوماً طويلاً بدأ في السابعة صباحاً واستمر حتى ما بعد منتصف الليل، حيث أعادت بث مقتطفات أرشيفية نادرة، ومحطات من البرامج والمسلسلات التي شكلت هويته الوطنية. تلك المواد لم تكن مجرد برامج قديمة، بل كانت وثائق بصرية تحكي قصة تطور المجتمع اللبناني عبر العقود، مما يبرر القيمة العالمية التي اكتسبها هذا الأرشيف.


الأرشيف في سجل العالم

تكللت جهود حفظ هذا الإرث في كانون الأول (ديسمبر) الفائت، حين انضم أرشيف تلفزيون لبنان رسمياً إلى «سِجل ذاكرة العالم» التابع لمنظمة اليونيسكو. هذا الاعتراف الدولي ليس مجرد تكريم، بل هو إقرار بأن ما تملكه المحطة من أشرطة وسجلات يمثل ذاكرة بصرية وثقافية لا تقدر بثمن، يجب حمايتها من التلف والاندثار.


واقع الشاشة والتحديات

رغم هذا التاريخ العريق، يقف تلفزيون لبنان اليوم في موقع لا يليق بمكانته، حيث تسببت التجاذبات السياسية المزمنة في جعله أسيراً للمحاصصة، مما حال دون مواكبته للثورة التكنولوجية. فالإهمال صار سيد الموقف، والوعود بالتطوير التي تُطلق مع كل حكومة أو مجلس إدارة جديد تظل حبراً على ورق، مما جعل المحطة تكافح لتقديم صورة ذات جودة عالية أو برامج قادرة على منافسة المحطات الخاصة التي تمتلك إمكانيات تقنية ومالية أوسع.


خطة التعافي الإجرائية: تحويل “تلفزيون لبنان” إلى مؤسسة منتجة

رغم كل التحديات التي يواجهها تلفزيون لبنان، فإن الحديث عن استعادته لدوره ليس ضرباً من الحنين إلى الماضي، بل نقاشاً مشروعاً حول مستقبل مؤسسة تمتلك ما لا تمتلكه أي محطة أخرى في البلاد. فالتلفزيون الرسمي لا يزال يحتفظ بأرشيف وطني استثنائي يوثق مراحل مفصلية من تاريخ لبنان السياسي والثقافي والاجتماعي، كما يتمتع بصفة الخدمة العامة التي تمنحه هامشاً مختلفاً عن القنوات التجارية.

إن تطوير تلفزيون لبنان لا يحتاج إلى مشاريع ضخمة أو ميزانيات خيالية بقدر ما يحتاج إلى خطة تدريجية قابلة للتنفيذ تعالج نقاط الضعف الأساسية وتستثمر نقاط القوة المتوافرة.

تبدأ المرحلة الأولى بإعادة تنظيم الإدارة والحوكمة. فالمطلوب تشكيل مجلس إدارة يتمتع بالكفاءة والخبرة الإعلامية، ووضع آليات واضحة للمحاسبة والشفافية في الإنفاق والتوظيف والإنتاج. كما ينبغي إعداد خطة مالية سنوية تحدد الأولويات وتربط الإنفاق بالأهداف والنتائج.

في المرحلة الثانية، يجب التركيز على تحديث البنية التقنية الأساسية. فبدلاً من استبدال جميع المعدات دفعة واحدة، يمكن اعتماد خطة تدريجية لتحديث الاستوديوهات وغرف المونتاج وأنظمة البث وفق الأولويات التشغيلية، مع الاستفادة من الهبات والتمويل الدولي المخصص لدعم الإعلام العام والثقافة والتراث.

أما على مستوى المحتوى، فمن غير الواقعي منافسة المحطات الخاصة في البرامج الترفيهية ذات الكلفة المرتفعة. لذلك ينبغي أن يتموضع تلفزيون لبنان كمنصة للخدمة العامة، عبر تعزيز البرامج الإخبارية المتوازنة، والوثائقيات، والبرامج الثقافية والتربوية، إضافة إلى تغطية النشاطات الوطنية والرسمية والبلدية التي لا تحظى باهتمام كافٍ لدى القنوات التجارية.

ويشكل الأرشيف التاريخي أحد أهم الأصول التي يمتلكها التلفزيون. لذلك يجب إطلاق مشروع وطني لأرشفة المحتوى رقمياً وترميم المواد القديمة، ثم إتاحتها عبر منصة إلكترونية حديثة تحقق انتشاراً أوسع وتوفر مصادر دخل إضافية من خلال الترخيص والاستخدام التجاري للمحتوى.

كما ينبغي إعطاء أولوية للتحول الرقمي عبر تطوير حضور المؤسسة على المنصات الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. فالجمهور الشاب لم يعد يعتمد على شاشة التلفزيون التقليدية فقط، بل يتابع المحتوى عبر الهاتف والمنصات الرقمية، ما يتطلب إنتاج مواد قصيرة ومتخصصة تناسب هذه الوسائط.

أما العنصر البشري، فيبقى أساس نجاح أي عملية تطوير. لذلك من الضروري الاستثمار في التدريب المستمر للموظفين الحاليين، وإتاحة المجال أمام الكفاءات الشابة في مجالات الإنتاج الرقمي والصحافة متعددة الوسائط والتقنيات الحديثة، ضمن آليات توظيف شفافة تعتمد الكفاءة لا الاعتبارات السياسية.

إن نجاح هذه الخطة يتطلب إرادة سياسية لحماية استقلالية المؤسسة، وإدارة مهنية قادرة على تنفيذ الإصلاحات تدريجياً. وعندها يمكن لتلفزيون لبنان أن يستعيد دوره كإعلام عام حديث يحفظ الذاكرة الوطنية ويخدم المصلحة العامة، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة منافسة القنوات التجارية في مجالات تتفوق فيها بحكم إمكاناتها المالية.

اترك تعليقاً