مع إسدال الستار على شهر رمضان، يُطوى معه موسم درامي يمكن وصفه، دون مبالغة، بأنه من أكثر المواسم ارتباكاً وضعفاً في السنوات الأخيرة. فقد شهد العام 2026 زخماً غير مسبوق من حيث عدد الأعمال المعروضة، إلا أن هذا التضخم لم يقابله أي تميّز نوعي حقيقي، حيث عجزت معظم المسلسلات عن فرض نفسها بجدارة في صدارة المشهد.
ومن باب الموضوعية، لا يمكن تعميم الإخفاق على الجميع؛ إذ نجحت بعض الأعمال في تفادي السقوط الكامل، بينما عانت أخرى من تخبط واضح بين ضعف البناء الدرامي وغياب الرؤية، في حين بدت فئة ثالثة وكأنها مجرد استثمارات إنتاجية لم تحقق أي مردود فني يُذكر. ولعل المفارقة أن التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة ساهمت، بشكل غير مباشر، في تخفيف حدة الانتقادات، إذ انشغل جزء كبير من الجمهور بمتابعة الأحداث الجارية، أو اكتفى بما بدأه من أعمال دون متابعة جادة أو تفاعل نقدي.
ضمن هذا السياق، كانت خطة فريق menaChannels تقوم على متابعة موسّعة للموسم عبر تصنيف تدريجي للأعمال بناءً على تفاعل الجمهور وآراء النقاد، إلا أن تصاعد الأحداث الإقليمية فرض إعادة صياغة المنهجية، ليتم الاكتفاء بخلاصة نهائية تستند إلى تحليل مركّب يجمع بين الرأي النقدي وانطباعات المشاهدين.
ملامح الخلل في الموسم
أبرز ما طبع هذا الموسم هو الحضور القسري للخطاب السياسي داخل عدد من الأعمال، ما أدى إلى تشابه في الطروحات الدرامية، وأشعل حالة من الاستقطاب بين الجمهور، على حساب تقييم عناصر العمل الأساسية كالنص والأداء.
كما برزت أزمة الإيقاع بشكل واضح؛ إذ عانت بعض المسلسلات من بدايات بطيئة نفّرت الجمهور مبكراً، رغم تحسنها لاحقاً، بينما وقعت أعمال أخرى في فخ العكس، حيث انطلقت بقوة قبل أن تغرق في مطّ الأحداث وحشو الحلقات بمشاهد غير مبررة درامياً.
أما الإشكالية الأكثر إثارة للجدل، فتمثلت في النهايات المفتوحة، التي لم تُقرأ بوصفها خياراً فنياً بقدر ما اعتُبرت توجهاً تجارياً يهدف إلى اختبار إمكانية إنتاج أجزاء لاحقة، دون تقديم خاتمة مكتملة أو رسالة واضحة.
أبرز الأعمال في الميزان
رغم الزحام، برز مسلسل «لوبي الغرام» كأحد المفاجآت الإيجابية، إذ قدم نموذجاً خفيفاً ومتوازناً يناسب أجواء الشهر، بعيداً عن المبالغة في السوداوية، ما جعله الأقرب إلى تفضيلات شريحة واسعة من الجمهور، رغم محدودية الضجة الإعلامية التي رافقته.
في المرتبة التالية، جاء مسلسل «مولانا» الذي حظي بإجماع نسبي في بداياته القوية، قبل أن تتراجع جودته بفعل إدخال عناصر درامية غير مبررة، وصولاً إلى نهاية أثارت جدلاً واسعاً حول خياراتها السردية.
أما «بالحرام»، فتميّز بإيقاع سريع وقدرة على خلق التشويق في ختام الحلقات، لكنه عانى من حوارات مطوّلة وضعف في بعض المعالجات، ما أثر على تماسكه العام. رغم نهاية وُصفت بالجيدة، الا انه مرهق بكثافة الأحداث القاتمة والمؤذية. كان من الأجدر ان لا يعرض في شهر رمضان.
مسلسل «مطبخ المدينة» شكّل حالة خاصة، إذ احتاج إلى نصف الموسم تقريباً لاستعادة توازنه، بعد بداية بطيئة كلفته جزءاً كبيراً من جمهوره. في المقابل، بدأ «المحافظة 15» بقوة لافتة قبل أن يفقد زخمه تدريجياً.
أما «أنا وهي وهيا» و«الخروج إلى البئر»، فقد حافظا على مستوى مقبول دون تحقيق اختراق حقيقي، في حين خيّب «النويلاتي» التوقعات بشكل واضح. كذلك، عانى «اليتيم» من تذبذب حاد بين تحسن مؤقت وتراجع لاحق.
ويبقى «سعادة المجنون» المثال الأوضح على الفشل الجماعي، إذ عجز عن تقديم سرد مفهوم أو متماسك، ما جعله موضع انتقاد واسع من مختلف الأطراف.
نهايات مفتوحة وتجربة ناقصة
عند تقاطع آراء الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي مع قراءات النقاد، يتضح أن أزمة موسم رمضان 2026 لم تكن في نقص الإنتاج، بل في غياب البوصلة الفنية. فقد عبّر المشاهدون عن مللهم من التكرار والإطالة، ومن توظيف القضايا السياسية بشكل مباشر ومفتعل، بينما ركّز النقاد على هشاشة النصوص وضعف البناء الدرامي وغياب الجرأة في تقديم نهايات مكتملة.
اللافت أن التفاعل الرقمي أظهر ميلاً واضحاً نحو الأعمال الخفيفة والمتماسكة، حتى وإن كانت بسيطة، مقابل رفض متزايد للأعمال الثقيلة التي تفتقر إلى الحبكة المحكمة. وهذا مؤشر مهم على تحوّل ذائقة الجمهور، الذي لم يعد ينجذب إلى الضخامة الإنتاجية بقدر ما يبحث عن تجربة مشاهدة متكاملة.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن هذا الموسم شكّل جرس إنذار حقيقياً لصنّاع الدراما، بأن الاستمرار في النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع. فالمعادلة لم تعد قائمة على عدد الأعمال أو نجومها، بل على جودة الكتابة، وضبط الإيقاع، واحترام وعي المشاهد. دون ذلك، ستبقى المواسم القادمة تدور في الحلقة نفسها، مهما تغيّرت العناوين.


اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.