Satellite


تواصل قطر توسيع حضورها في قطاع الفضاء عبر مشروعها الجديد «سهيل 3/تركسات-بيروني»، الذي يمثل أكبر استثمار في تاريخ الشركة القطرية للأقمار الصناعية «سهيل سات»، في خطوة تعكس انتقال الدولة من مرحلة بناء البنية التحتية الفضائية إلى مرحلة المنافسة في سوق الاتصالات الفضائية المتقدمة، وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي لخدمات الأقمار الصناعية.

وبحسب ما أعلنته «سهيل سات»، فقد وقعت الشركة اتفاقية شراكة استراتيجية مع المشغل الوطني التركي للأقمار الصناعية «تركسات»، إلى جانب عقد مع شركة «تاليس ألينيا سبيس» الأوروبية لتصميم وتصنيع القمر الصناعي الجديد، باستثمار يقدر بنحو 295 مليون يورو، على أن يستغرق تنفيذ المشروع ما بين ثلاث وأربع سنوات، تمهيداً لدخوله الخدمة بحلول عام 2030.

ويمثل المشروع محطة جديدة في مسيرة بدأت قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، عندما تأسست «سهيل سات» عام 2010 برأسمال بلغ نحو 4.18 مليار ريال قطري، بهدف تحقيق استقلالية الدولة في خدمات البث والاتصالات الفضائية، ضمن استراتيجية تستهدف تنويع الاقتصاد وبناء قطاع قائم على المعرفة والابتكار، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء القطرية «قنا».

ومنذ ذلك الحين، تطورت الشركة من مشغل محلي ناشئ إلى أحد أبرز مشغلي الأقمار الصناعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعدما نجحت في إنشاء منظومة متكاملة تشمل الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية ومراكز التحكم، إلى جانب تطوير الكفاءات الوطنية ونقل الخبرات التقنية.

وكانت قطر قد دخلت رسمياً عصر الفضاء بإطلاق القمر الصناعي «سهيل-1» في أغسطس 2013 إلى الموقع المداري 25.5 درجة شرقاً، قبل أن يبدأ تقديم خدماته التجارية نهاية عام 2014، حيث وفر تغطية واسعة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأصبح منصة لبث عدد من أبرز الشبكات الإعلامية، وفي مقدمتها شبكة «beIN SPORTS» وشبكة الجزيرة الإعلامية، وفقاً لما أوردته «قنا».

ومع إطلاق «سهيل-2» عام 2018 ودخوله الخدمة التجارية في العام التالي، توسعت خدمات الشركة لتشمل الاتصالات الحكومية، والإنترنت واسع النطاق، والاتصالات البحرية والجوية، وخدمات الشبكات الطرفية الصغيرة «VSAT»، إلى جانب خدمات البث الفضائي، بينما عززت الشركة بنيتها التحتية بإنشاء محطة أرضية متطورة في الدوحة حاصلة على تصنيف «Tier IV» العالمي، وهو أعلى تصنيف في مجال الاعتمادية التشغيلية، بحسب وكالة الأنباء القطرية.

ويأتي «سهيل 3/تركسات-بيروني» ليشكل نقلة نوعية مقارنة بالجيلين السابقين، إذ سيعمل على نطاق الترددات «Ka-band» من الموقع المداري 50 درجة شرقاً، وسيقدم خدمات اتصالات عالية الإنتاجية مع إمكانية إعادة توزيع التغطية والحزم والترددات والنطاق الترددي بصورة ديناميكية وفق احتياجات العملاء، وهو ما يمنحه مرونة تشغيلية غير مسبوقة.

ووفقاً لما أعلنته شركة «تاليس ألينيا سبيس»، سيُبنى القمر الجديد على منصة «Space INSPIRE» الرقمية، التي تتيح إعادة برمجة القمر وإعادة تهيئته أثناء وجوده في المدار، بما يسمح بتعديل السعات ومناطق التغطية طوال عمره التشغيلي، بدلاً من الالتزام بتصميم ثابت منذ لحظة الإطلاق.

وستغطي خدمات القمر الجديد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأوروبا، وآسيا الوسطى، وأفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى المناطق البحرية المحيطة، مع توفير حلول متقدمة تشمل الاتصالات الحكومية، والاتصالات المتنقلة، وخدمات الطيران والملاحة البحرية، وشبكات «VSAT» للشركات، فضلاً عن دعم قطاعات النفط والغاز والطاقة التي تعتمد على شبكات اتصالات آمنة ومستقرة، بحسب بيان «سهيل سات».

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «سهيل سات»، علي أحمد الكواري، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء القطرية «قنا»، أن الاتفاقيات الجديدة تمثل «منعطفاً تاريخياً» في مسيرة الشركة، وتعكس طموح دولة قطر في ترسيخ موقعها كمزود رائد لخدمات الأقمار الصناعية، مشيراً إلى أن الشراكة مع «تركسات» ستسرع التشغيل التجاري للقمر الجديد وتفتح أسواقاً إضافية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى.

من جانبه، اعتبر الرئيس التنفيذي لشركة «تركسات»، أحمد حمدي أتالاي، أن المشروع يجسد تعاوناً استراتيجياً بين قطر وتركيا في قطاع الفضاء، مؤكداً أن توحيد البنية التحتية والخبرات بين الشركتين سيعزز القدرة على تلبية الطلب العالمي المتزايد على خدمات الاتصالات الفضائية من الجيل الجديد.

أما الرئيس التنفيذي لشركة «تاليس ألينيا سبيس»، إيرفيه ديري، فأكد أن العقد يعكس الثقة في قدرة الشركة على تطوير قمر صناعي رقمي بالكامل يمكن إعادة برمجته في المدار، مع إمكانية دمج حمولات مخصصة للمتطلبات التجارية والحكومية في الوقت نفسه.

ويرى خبراء أن المشروع لا يقتصر على توسيع السعات التشغيلية أو تحقيق عوائد تجارية، بل يمثل استثماراً في البنية التحتية السيادية للدولة، في وقت أصبحت فيه الاتصالات الفضائية أحد مكونات الأمن الوطني والاقتصاد الرقمي. وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي عبد الله الخاطر، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية «قنا»، أن تطور قطاع الفضاء في قطر يعزز استقلالية الدولة التقنية، ويرسخ مكانتها كمركز إقليمي للاقتصاد الرقمي والفضائي، كما يدعم قدرتها على جذب الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.

ومع اقتراب إطلاق «سهيل 3/تركسات-بيروني»، تبدو قطر أمام مرحلة جديدة من حضورها في صناعة الفضاء، حيث لم يعد امتلاك الأقمار الصناعية يقتصر على خدمات البث والاتصالات، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن والسيادة الرقمية، وعنصراً رئيسياً في تعزيز الحضور الاقتصادي والسياسي للدول على خريطة الفضاء العالمية.

اترك تعليقاً