NBC UNIVERSAL COMCAST

في خطوة تكشف عن حجم التحولات الجوهرية التي يمر بها قطاع الإعلام والترفيه العالمي، أعلنت مجموعة «كومكاست» (Comcast) عن خطة استراتيجية لفصل ذراعها الإعلامي «إن بي سي يونيفرسال» (NBCUniversal) وتحويله إلى شركة مستقلة مطروحة للتداول العام. وتأتي هذه الخطوة لتعكس مدى الضغوط التي تواجهها المجموعات الكبرى في ظل التغيرات التكنولوجية المتسارعة وتبدل عادات المستهلكين.


إعادة رسم خارطة الإمبراطورية

بموجب الهيكلية الجديدة، ستضم شركة «إن بي سي يونيفرسال» المستقلة أصولاً بارزة تشمل: استوديوهات «يونيفرسال بيكتشرز» السينمائية، شبكتي البث «إن بي سي» و«تيليموندو»، قطاع «إن بي سي نيوز» الإخباري، منصة البث الرقمي «بيكوك»، وقناة «برافو». كما ستشمل الشركة الجديدة قطاع الممتلكات الترفيهية والمتنزهات الناجح، بالإضافة إلى شبكة البث البريطانية «سكاي» التي استحوذت عليها كومكاست في عام 2018.

في المقابل، ستركز «كومكاست» جهودها المستقبليّة على خدماتها الأساسية في قطاع الاتصالات، بما في ذلك توفير خدمات الإنترنت عريض النطاق (Broadband)، والشبكات اللاسلكية، والخدمات السلكية لقطاعي الأفراد والشركات. وفور الإعلان عن هذه الخطوة، تفاعلت الأسواق الإيجاب بوضوح، حيث أغلق سهم «كومكاست» مرتفعاً بنسبة 4.5% تقريباً بعد قفزة مبكرة في التداولات.


نهاية حقبة الاندماج والدمج

يمثل هذا القرار تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الإعلام؛ ففي عام 2011، نُظر إلى استحواذ «كومكاست» على «إن بي سي يونيفرسال» كرهان ضخم على جدوى دمج المحتوى الإعلامي مع شبكات التوزيع الرقمي والسلكي. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تشكيكاً متزايداً من المحللين في هذه الاستراتيجية، وسط مطالبات بتحويل «إن بي سي يونيفرسال» إلى شركة «نقية» تركز حصراً على الترفيه والإعلام.

وفي هذا السياق، علق ريتش غرينفيلد، الشريك والمحلل في مؤسسة «لايت شيد بارتنرز»، لشبكة «سي إن بي سي» قائلاً: «لقد حان وقت الانفصال، فمستقبل الطرفين سيكون أفضل بشكل مستقل». وأضاف مؤكداً أن الأعمال الأساسية للشركتين لم تعد متوافقة في الوقت الراهن: «تلك الأيام قد ولت».

وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لتوجه بدأته «كومكاست» لتصفية عملياتها وتأطيرها، حيث اتخذت قراراً بـفصل مجموعة من قنواتها الكبلية الشهيرة، بما في ذلك «سي إن بي سي» و«إم إس إن بي سي» (التي تحول اسمها إلى “إم إس ناو”)، في شركة مستقلة ومطروحة للتداول تُدعى «فيرسانت».


القيادة الجديدة ومستقبل المساهمين

وفقاً للبيانات الرسمية، من المتوقع إتمام عملية الانفصال بالكامل خلال عام تقريباً، على أن تحتفظ «كومكاست» بحصة تصل إلى 19.9% في الشركة الجديدة لمدة تصل إلى عام بعد الفراغ من الإجراءات. وأكدت المجموعة أن المساهمين الحاليين سيمتلكون أسهماً في كلا الكيانين الجديدين.

وجاء في بيان الشركة أن هذا التوجه سيخلق «قائدين متخصصين في قطاعهما، يتمتع كل منهما بحجم أعمال ضخم، وملاءة مالية قوية، وفرص استراتيجية واضحة». وأضاف البيان: «يؤمن مجلس الإدارة والفريق الإداري لكومكاست أن هذا الانفصال سيتيح لكل شركة تموقعاً أفضل لمتابعة أولوياتها الاستراتيجية الخاصة، والاستثمار من أجل النمو، وتحقيق قيمة مستدامة للمساهمين على المدى الطويل ككيانين مستقلين».

وعلى صعيد القيادة، سيتولى مايك كافانا، الرئيس التنفيذي المشارك الحالي لـ«كومكاست»، إدارة شركة «إن بي سي يونيفرسال» الجديدة. بينما سيقود «كومكاست» مايكل أنجيلاكيس، المدير المالي السابق للمجموعة. في حين سينتقل رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي المشارك الحالي، برايان روبرتس، ليلعب دوراً فعالاً في قيادة الشركتين معاً بالتعاون مع الرؤساء التنفيذيين المعينين.

وصرح كافانا قائلاً: «تبدأ الشركتان هذا الفصل الجديد من موقع قوة. ستواصل كومكاست تعزيز ريادتها في قطاع الاتصالات والربط الرقمي، بينما ستمتلك إن بي سي يونيفرسال، بالتعاون مع سكاي، الحجم والعلامات التجارية والمحتوى والموارد المالية اللازمة للمنافسة كشركة عالمية رائدة في الإعلام والترفيه».


قطاع مضطرب يعيد تشكيل نفسه

يثير هذا الانفصال تساؤلات معقدة حول ما إذا كانت «إن بي سي يونيفرسال» ستتجه للاستحواذ على منصات إعلامية أخرى، أم أنها ستتحول هي نفسها إلى هدف للاستحواذ من قِبل عمالقة آخرين. ورغم أن برايان روبرتس أكد في اتصال مع المستثمرين أن الانفصال «ليس خطوة على الإطلاق» نحو صفقات استراتيجية أو اندماجات محتملة لأي من الشركتين، إلا أن السوق يظل مفتوحاً على كافة الاحتمالات.

ويعيش قطاع الإعلام الأمريكي حالياً موجة عاتية من إعادة الهيكلة والاندماجات الكبرى لمواجهة تراجع التلفزيون التقليدي وصعود المنصات الرقمية؛ حيث تعمل شركة «باراماونت سكاي دانس» المملوكة لديفيد إليسون (والتي تملك شبكة CBS) على إتمام صفقة ضخمة تبلغ قيمتها 110 مليارات دولار للاستحواذ على منافستها «وارنر براذرز ديسكفري»، الشركة الأم لمنصات شهيرة مثل HBO وCNN. بالتزامن مع ذلك، تمضي شركة «نيكسستار»، أكبر مالك لمحطات التلفزيون المحلية في الولايات المتحدة، في إجراءات الاستحواذ على شركة «تيغنا» المنافسة، مما يؤكد أن خريطة الإعلام العالمي لن تبقى كما كانت.

اترك تعليقاً